الخميس، 20 نوفمبر 2008


الدّائــــرة



تمام الدائرة يشعّ.
كمالها يتعرّى في الرّكن القصيّ وتتعرّى حركتي.
تمام الدائرة وكمالها لزجان.
هما من نشآ في بكمي.
تمامها وكمالها يضطربان في بياض قلبي.
الدائرة متعبة ووجلة تشقّ النّور مطفأة.
الدائرة سيارة في موكب القلق.
الدائرة واقفة تمام الحكمة وفي نصف الحلم.

تمامها المملوء بالنفس.
تمامها المنتفخ في هزالي.
العرش الفارغ مملوء بصدى فقاعتها الثائرة.
العرش لا أنبياء لأنهاره السارية في صمت.
لا إله لدائرته الضائعة في الدّوار.


تمامها الفارغ من المخلوقات الضاجّة في الفراغ.
تمامها الواسع في شعاب من دخان.

اكتملت الدائرة وانغلقت.
هي بعض النشيد الفطريّ للعباد الزرق.
هي بعض الكلام العاجز في الأفواه المزبدة.
هي تآكل الأفعى وترنح المثقل بالأسرار في الشعاب.
هي كلّ الحركة في ليل بهيم.

اكتملت...
ماذا بعدك أيّتها الوعد؟.
ماذا بعد أربعائك المرتعد؟.

اكتملت
غدا تركض ثيرانك على وجه البسيطة.
غدا تموج حملانك وغزلانك فوق الهضاب.
غدا يتكوّر الأعلى الغريب في غرفتي الصّغيرة.

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2008


حذاء "فان كوخ"


ألبس حذاء "فان كوخ" المفر.
أرحل في الزَيتيَ اللاّصق
أجرّ خيطيه الأسودين إلى خارج اللوحة.

حذاء "فان كوخ" يلامس الطريق الآن
الطّريق اليابسة والطويلة
على مرأى اللّحى الحمراء فوق الأرصفة
أحدّق في نظرتين متدحرجتيْن
من أعلى اللّوحة.
أجرّ الخيطين إلى المنتهى

حذاء "فان كوخ" تآكل الآن.
يتذكّر ركنه الزيتيّ المريح.
أمضي به لإسكافيّ جائع
يستند إلى شجرة.

الإسكافيّ المحدّق في قلق الذّباب.

لن يفهم الإسكافيّ خيطيّ.
لن يفهم بأي المسامير يُلصق "ذاك" ب"ذاك".
لن تكفي الألوان.
لن تكفي فرشاتي
لحلّ عقدة الخيطين.
لا شيء يكفي لاسترداد
عمق الحذاء في ركنه الزّيتي.

أنا في الطريق أحمل الحذاء إلى
داخل اللوحة.
الكتابة مسألة حياة





لم يعش الإنسان بلا كتابة لحقبة طويلة إذ سرعان ما صنعها وهي دليل قاطع على ضرورتها كحاجة إنسانية، فلا نستطيع تخيّل العالم بلا مكتوب أو مقروء. الكلام البشريّ متبخّر بلا كتابة.

تذهب "مرجريت دوراس" في كتابها "الكتابة" إلى اعتبارها نوع من الملكات التي يحضى بها الشخص منذ ولادته بل سنعتبرها حاسة خاصة بالكاتب ومهنة من مهن الوجود لذا فالكاتب يكون ذا إعاقة إن لم يمارسها وحياته منقوصة من شيء ما أساسيّ.

نكتب لممارسة الحياة.
لا نكتب عندما تكون حرارة الحياة منخفضة لدينا. أي عندما نمارس هذا الفعل نكون في أفضل أحوالنا.
نكتب لتحويل التفكير من حالة "الريح" كما تقول "دوراس" في كتابها إلى حالة الحبر إذن فالتفكير لا شيء من دون كتابة.
هل نستطيع العيش دون تفكير؟.
لا أظنّ أو على الأقلّ لن تكون الحياة أفضل في غياب التفكير أي الكتابة في معنى من المعاني.

مثلت الكتابة مغامرتي الشخصيّة للحياة. هي سبيلي الفريد على ما أعتقد وكي لا أقول الوحيد لكي أظلّ حيّا قبل موتي وبعده. إنها مسألة من مسائل الحياة الأكثر حميميّة.




هي...


هي مخبّأة في كلّ النّساء.
هي رائحة في تناقضات الشّوارع.
هي حليبٌ ينزّ من حلَمة الغياب.
هي التّكدّس الفلسفيّ النّاعم...

هي إيقاع النّحت.
النّحت على دوائر تتدافع في الفضاء.

هي المستترة في طواحين القلب الدوّارة.
هي البُذور الرّابضة
في بطن الأرض الحالمة.
هي التي أراها أو تمرّ فيمن يمررن دائما.

هي من ستقضم شطرا ثانيا
من تفّاحتي.

الجمعة، 14 نوفمبر 2008


الجرار





للجرار الفارغة رنين الوعد بالماء.
لها عنق المنتظر لمكوّنات غد مرتو.
أنصتي للريح تغني من فوهتها
وتلعب في وحشيّة حول عنقها.
أنصتي للغد المنشد في بطنها
تلك الجرار التي على ظهور النساء المتتاليات
هنّ يتبعن خيطا رقيقا نحو النبع.
هنّ متمايلات في المنحدر
وعليهن الجرار توقّع مشية العطشى.


العين عروس موشاة بالكروم.
السقاء السقاء.
ماء وحكاياتهنّ.
رنين القلائد النحاسيّة.
حفيف الأخراص المتحركة كساعة شهيّة.


الابتلال الابتلال.
يقطر ماء من كلّ جهة
بينما تجمّع الأعين نورا واضحا يبرق في ماء العين.

أعين النساء.
أعين البهائم.
عيون الماء.


الجرار أجساد عارية منصرفة لشهوتها.
الجرار المندسّة بين أفخاذ النساء المتحركات مائيّا.
والنساء الناعسات على صفحة الماء,
النساء جرار ذوات روح.
الجرار نساء لم ينفخ أحد فيهنّ.
النساء يغترفن الماء والنّور.



يملئن الجرار السّاكنة.

انظري للأيادي تعلو وتهبط
الأخراص تذهب وتجيء
الصور المنعكسة تختفي وتظهر...

أعين البهائم تحوم حول الكروم.

هناك فتاة تحترق بنار النضوج وحمرة الوجنتين.
تلك الفتاة التي تطيل الشرود في فوهة النبع البنّية.

أنصتي للماء الذاهب في بطن الفخار.
الماء المبلل للأفخاذ
المحمّر للوجنتين الشاردتين.

أنصتي للصرصار البعيد المعدّ لأغنيته اليوميّة.
أنصتي لصباح جوع البهائم.

عودي للجرار التي امتلأت
للنساء التي ابتلت.
للفتاة التي نضجت.
كلّ ذلك صمت الآن.

الجرار على ظهورهن متتاليات يتسلقن
في اتجاه الارتواء.

الأربعاء، 12 نوفمبر 2008



مقبرةُ الرّومَانِ


على حافة الوادي مقبرة رومانية قديمة
يمرّ الأحياء ملامسين الجماجم في صخب.
يمرّ أحياء من تلك المقبرة.
وينبت صبار في تلك المقبرة.
وهناك وردة تثقب نصف جمجمة وتتمايل.


الرّومان ينامون خارج قبورهم
وبلا جرارهم المزيّنة.
تطل محاجرهم مظلّلة من عمى التربة البيضاء.
قبور الرومان الحجرية وجرارهم
مليئة بالماء في بيوت الأحياء المارّين في صخب.



الرّومان ينامون
رغم طفلة صغيرة تحاول إعادة نقوشهم
على الجرار ذات الألوان الفاترة.
محاجر الرومان مليئة بالظلّ.
وجماجمهم لعب أليفة وملساء
لأطفال يتراكضون في المقبرة
المقبرة التي على حافّة الوادي.











بالوادي تتعالى أصوات الصّبايا
الصّبايا المليئات الصدور.
المملوءات بالأناشيد.
هن يتلاصقن على حافة البئر الرومانيّ القديم.
على الحافة تُحفر قصص الصّيادين الرومانيين الجياع.
لا زالوا يطلقون سهاما متوترة على غزالة انمحى جلّها
ولا زال ريقهم سائلا
يبلل أعلى البئر الدّائريّ القديم.




الصّبايا رثات الثياب والأصوات
ساخنات الأيادي
يتلامسن ويتغامزن
يتركن ماء البئر الرومانيّ القديم يبلّل أنصافهم السفلى
الصّبايا
سيحملن ذاك الماء لملء الأحواض أمام الدّور
الأحواض المستطيلة التي هي قبور الرّومان الحجريّة
الرّومان شعب أنصاف الجماجم المطلّة في عمى التّربة البيضاء
هناك ورود تثقب الجماجم وتتمايل
بينما يمرّ الأحياء صاخبين فوق الورود والجماجم.

الطفلة أتمّت ترتيب النقوش على الجرار في ركن البيت.
رسمت الغزالة الرمادية والصيادين الجياع
والسّهام المتوتّرة
ذوي الرّيق المُختلط بالماء
في بيوت الأحياء.















يتعالى صدى ضحكات الصّبايا الساخنات الأيادي
الفائرات.

يقهقهن على مرأى الظلّ المعبّئ لمحاجر أنصاف الجماجم.
الجماجم لعب الأطفال المتراكضين في المقبرة الرومانية القديمة
التي على حافة الوادي.
..............................





الطفلة الصّغيرة تعانق الجرار
وتتأمل جدّتها المنتظرة لشيء ما
يأتي من الباب.